محمد بن جرير الطبري

22

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة انى خالق بشرا من صلصال من حما مسنون فإذا سويته يقول فإذا صورته فعدلت صورته ونفخت فيه من روحي فصار بشرا حيا فقعوا له ساجدين سجود تحية وتكرمة لا سجود عبادة وقد ( حدثني ) جعفر بن مكرم قال ثنا أبو عاصم قال ثنا شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال لما خلق اللّه الملائكة قال إني خالق بشرا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فقالوا لا نفعل فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم وخلق ملائكة أخرى فقال إني خالق بشرا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا قال فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم ثم خلق ملائكة أخرى فقال إني خالق بشرا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم ثم خلق ملائكة فقال إني خالق بشرا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فقالوا سمعنا وأطعنا الا إبليس كان من الكافرين الأولين القول في تأويل قوله تعالى فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ يقول تعالى ذكره فلما خلق اللّه ذلك البشر ونفخ فيه الروح بعد أن سوّاه سجد الملائكة كلهم جميعا الا إبليس فإنه أبى أن يكون مع الساجدين في سجودهم لآدم حين سجدوا فلم يسجد له معهم تكبرا وحسدا وبغيا فقال اللّه تعالى ذكره يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين يقول ما منعك من أن تكون مع الساجدين فأن في قول بعض نحويى الكوفة خفض وفي قول بعض أهل البصرة نصب بفقد الخافض القول في تأويل قوله تعالى قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ يقول تعالى ذكره قال إبليس لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حما مسنون وهو من طين وأنا من نار والنار تأكل الطين وقوله فأخرج منها يقول قال اللّه تعالى ذكره لإبليس فأخرج منها فإنك رجيم والرجيم المرجوم صرف من مفعول إلى فعيل وهو المشتوم كذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك ( حدثنا ) بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة فإنك رجيم والرجيم الملعون ( حدثنا ) القاسم قال ثنا الحسين قال ثنى حجاج عن ابن جريج قوله فأخرج منها فإنك رجيم قال ملعون والرجم في القرآن الشتم وقوله وان عليك اللعنة إلى يوم الدين يقول وان غضب اللّه عليك بإخراجه إياك من السماوات وطردك عنها إلى يوم المجازاة وذلك يوم القيامة وقد بينا معنى اللعنة في غير موضع بما أغنى عن إعادته هاهنا القول في تأويل قوله تعالى قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ يقول تعالى ذكره قال إبليس رب فإذ أخرجتني من السماوات ولعنتني فأخرنى إلى يوم تبعث خلقك من قبورهم فتحشرهم لموقف القيامة قال اللّه له فإنك ممن أخر هلاكه إلى يوم الوقت المعلوم لهلاك جميع خلقي وذلك حين لا يبقى على الأرض من بني آدم ديار . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ . . . مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ يقول تعالى ذكره : قال إبليس : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي بإغوائك لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ